قراءة معمّقة في فوتوغرافيا الفنانة ريم الفيصل آل سعود
لا شك أن الصورة الفوتوغرافية تسجّل للمكان سيرةً حيّة وواقعية في لحظة فريدة لا تتكرّر. وحين تُحتجز تلك اللحظة داخل إطار، تصبح وثيقةً للزمان والمكان، وشاهدًا اجتماعيًا على من حضروا فيها.
تظل الصورة لحظةً مخلّدة في التاريخ، بما تحمله من مشاعر وعواطف ومتغيّرات ودلالات فنية. وغايتها أن تقدّم عملًا فنيًا مشبعًا بالوجدان الإنساني، تمسّه مسحة من جمال لا يُنكر، وتنبض فيه عناصر بصرية توحي بالحركة وتكشف شيئًا من الحياة اليومية. إنها وثيقة تختزن ذاكرة العلاقات الاجتماعية، وتبلغ متلقّيها برسالة حيّة.
توقظ الصور مشاعرنا، وتستثير ما استقرّ فينا من ذكريات وأحاسيس؛ ولا سيما حين يجتمع في إطارها عمق الفكرة وجمال الضوء وحسن اختيار الزاوية. تتآلف هذه العناصر لتبلغ المشاهد وتغني ثقافته البصرية.
التصوير وثيق الصلة بما يعتمل في داخل المصوّرة. فهي التي تمنح الصورة إبداعها، من العتمة إلى الظل إلى الضوء، وصولًا إلى الموضوع نفسه. والمصوّرة فنانة تتفحّص عناصر الواقع وتحوّلات الحياة، لتوثّق لحظة فريدة قد لا تلتفت إليها العين العابرة.
حين تنظر الفنانة عبر عدسة كاميرتها، يتشكّل إبداع بصري متكامل: صورة تحمل إحساسًا فلسفيًا نابعًا من الحياة المألوفة، وقراءة فكرية لأسئلة الوجود.
علاقة الإنسان بالمكان أزلية؛ فحركته وإيماءاته لا تنفصلان عمّا يحيط به. وحين تجمع المصوّرة هذه الثنائية في إطار واحد، وتراعي التوزيع التقني للعتمة والضوء والدرجات التي تتوسّطهما، تنبض العناصر الجمالية الناتجة بالإحساس وتفيض بالوجدان.
تنبثق هذه الصورة من عقل يصغي إلى العاطفة الإنسانية، ومن حسّ فني مبدع. ومن هذا المدخل نعبر إلى عالم الفنانة السعودية ريم الفيصل آل سعود، لنقرأ صورها في ضوء ثنائية التباين، والعلاقة بين العتمة والضوء، وزوايا الرؤية؛ ثم في ضوء الصلة الإنسانية والوجدانية التي تنشأ بينها وبين المشاهد.
الضوء بين الظل والعتمة
تستعين المصوّرة بثنائية الظل والعتمة، وكلاهما وليد الضوء، لتعبّر فنيًا عن الواقع وعن العناصر التي تتكوّن منها الحياة.
الضوء، أو نور الله، كما تحب ريم الفيصل آل سعود أن تسمّيه، شعاع سماوي يبعث البهجة. وهو جزء من السرد الفوتوغرافي؛ إذ يكشف الزوايا الغامضة ويمنحها حضورًا في الإطار البصري. أما العتمة، فعلى كونها نقيض الضوء، تُبرز الأشياء اليومية في الصورة وتضعها ضمن تكوين بصري متكامل. ويظل الظل، في النهاية، العنصر الفني الذي يؤكّد زاوية الالتقاط ويقيم التوازن بين الضوء والعتمة. في صورة الحجاج الجالسين على الأرض أمام خيامهم ليلةَ بدر، تجسّد ريم الفيصل آل سعود ثنائية العتمة والظلال، وتقسم الفضاء شطرين لتؤكّد خشوع الإنسان لخالقه. تقدّم الجزء العلوي، الغارق في عتمة تامة، رمزًا لحضور الله سبحانه وتعالى. ويعمّق صفاء سماء الليل ونقاؤها تلك العلاقة الفلسفية بين الحضور الإلهي والإنسان الجالس على الأرض في النصف السفلي، يتعبّد في وهج النور المنبعث من السماء. ولا يقتصر هذا المنظور على التقاط الحياة الإنسانية في لحظتها؛ إنه يستدعي معنى المأوى، ويستحضر الخيمة العربية بوصفها جزءًا من التراث البدوي. وتفصل الفنانة المقدّمة عن الخلفية لتُظهر كثافة الحضور الإنساني في المكان، حيث يقرأ الحجاج كتاب الله. وفي هذه الصلة الرمزية بين الروح الإنسانية وامتداد السماء اللامتناهي، يتجلّى فهمها للحياة ولقدسية وفاء الإنسان لدينه. وهكذا تغدو الصورة وثيقةً للحياة من خلال ظاهرة اجتماعية، يتبدّى فيها الوجه الفكري والفني للإبداع البصري.
وفي صورة ليلية أخرى للمسجد الحرام بمكة، يمتزج الضوء بالظل والعتمة امتزاجًا متجانسًا تتداخل فيه الحدود. تنجح ريم الفيصل آل سعود هنا في منح المشهد تناغمًا رماديًا، وتتعمد إبراز الكعبة المشرّفة بكسوتها الداكنة وسط آلاف المصلّين. وتكشف زاوية الالتقاط، بذكائها، مئذنة الحرم وهي تشرف على المصلّين في جلال من الجهة الأخرى، كأنها تردّد اسم الرحمن. وتستمدّ الصورة قوتها من جموع المصلّين التي لا تُحصى خارج الساحة الكبرى، وقد ملأت الطرق والأزقّة، فيما تبدو مباني الخلفية خالية من الحياة. فالحياة كلّها تتجسّد في الحشود وخشوعها حول الحرم الشريف. وهنا يظهر إبداع الفنانة في إيداع فكرها مكانًا له تاريخ وهيبة أمام الله سبحانه وتعالى؛ تنحاز إليه، من دون أن تتخلّى عن صدق العقلانية والموضوعية.
وفي صورتها للمسجد النبوي، تستحضر ريم الفيصل آل سعود روحانية السماء الداكنة والظلال الملقاة على القباب والمئذنة في المقدّمة. تهيمن عتمة السماء الهائلة على المشهد، دالّةً على قدرة الخالق، فيما تشعّ الهالة المحيطة بالمئذنة بقدسية النور وروحانية المكان. ويقوّي الاقتصار على القبّتين، من غير استرسال في التفاصيل، الصلة الرمزية بالمكان، ويلفت إلى ملمح بعينه من العمارة الإسلامية. أما المباني الحديثة في وسط الصورة فتشهد على مدينة عصرية تتعايش مع الموروث الديني الإسلامي وإبداعاته المعمارية. ومن الناحية الفوتوغرافية، تجمع ريم الفيصل آل سعود بين أقصى العتمة وأقصى الضوء. وعند تطبيق نظام المناطق، وهو أسلوب يقيس تدرّجات الضوء والعتمة من الأبيض إلى الأسود في أرجاء الصورة، يتبيّن توزيع درجات الرمادي بإتقان فني، يُظهر الملامح ببراعة ويأسر العين من نظرتها الأولى.
تتيح لنا هذه الصورة أن نلمس قدرة ريم الفيصل آل سعود على خوض معترك الحياة اليومية بوصفها امرأة. فهي، إذ تتأمّل الحياة الدينية المنعزلة في المشهد، تقرأ موضوعه ومكوّناته قراءة فلسفية أولًا، ثم تصوغه بعدستها في صورة متفرّدة، مشبعة بالإنسانية والخشوع لنور الله. وتمنحنا أعمالها، في المحصّلة، حكايات وصورًا نعتزّ بها؛ موروثات وثيقة الصلة بالإسلام، نستطيع أن نقدّمها للغرب جزءًا من تراثنا العربي الإسلامي، كما يتجلّى في عبادتنا لله سبحانه وتعالى.
المكان في صور ريم الفيصل آل سعود
ترصد المصوّرة الواعية الأمكنة المتصلة بالحياة اليومية. فهي تمنح الصورة عمقًا فلسفيًا بما تختزنه من كدّ الإنسان وسعيه المتواصل. وتكشف أيضًا أثر الانجذاب الفطري بين الإنسان والمكان في نشوء العلاقات الاجتماعية، بين فرد وآخر أو في جماعة تتآلف في فضاء واحد. يستوقف المكان زائره بما فيه من جمال، طبيعي أو مشيّد، ثم يستقرّ صورةً كامنة في الذاكرة. وحين تتصل به عناصر فكرية وأخلاقية واجتماعية متجذّرة في التاريخ وتداعياته، يمتلك في الوعي قوةً من قوة ذلك التاريخ.
وهنا نلتقي صورًا لريم الفيصل آل سعود تجعل المكان وهويته محورًا لها، وتضع الإنسان ضمن حدوده المكانية، جزءًا من واقع تتشابك فيه صلته بالزمان والمكان.
وهنا نلتقي صورًا لريم الفيصل آل سعود تجعل المكان وهويته محورًا لها، وتضع الإنسان ضمن حدوده المكانية، جزءًا من واقع تتشابك فيه صلته بالزمان والمكان.
في صورة التُقطت داخل مسجد بإسطنبول، تمنح ريم الفيصل آل سعود المكانَ وعمقه ثمانين في المئة من المساحة: من العتمة إلى الأقواس وما يتدرّج عليها من ظلال، سعيًا إلى التقاط إنسان يستغفر خالقه. وتجعله، في الوقت نفسه، عنصرًا صغيرًا في التكوين الكلي، تأكيدًا لرؤيتها أن المكان هو المهيمن وأن الإنسان جزء منه. ويتيح فضولها الفوتوغرافي، وحسن اختيار المنظور الجامع بين الظلال والأضواء، للعتمة أن تعزّز حضور الإنسان والمكان معًا؛ ولا سيما في مقابل النور السماوي المنبثق من أحد الجوانب. هكذا تتشكّل صورة آسرة في تباينها اللوني.
تؤكّد ريم الفيصل آل سعود ضآلة الإنسان أمام الطبيعة وما يحيط به. ففي إحدى صورها، نرى كائنًا أضناه العمر يتطلّع إلى الحياة من فتحة ضيّقة، بين قوس داكن وأرض منبسطة. ينقسم المشهد بذلك إلى عنصرين: عتمة تامة من جهة، وأمل وحياة باقيان رغم تعاقب السنين من جهة أخرى. وتتألّق هنا الدلالات الفلسفية والمعالجة التشكيلية؛ فالإنسان يبحث عمّا ينقص حياته، ولا يجده إلا في الظلال المحيطة بالصورة بعد هبوط الليل. إنها استعارة يقرأها المشاهد في جمال الصورة وموضوعها.
وفي صورة أخرى، تتآزر عين ريم الفيصل آل سعود وعدستها لتثبّتا حضور المكان في الذاكرة الفردية، وتردّا صداه إلى الذات بحركة جمالية تُظهر قوته. وتستبقيه نظرتها التأمّلية بحثًا عن بهجة الوجود في المكان. يرى المشاهد فضاءً يتجسّد في عنصر معماري أنيق، تتناغم فيه العتمة والضوء لتُبرزا قوة المنظور الفني. ويحدّ التكوينَ ظلُّ المدخل الداكن، قبل أن تكسر النافذة العلوية قسوته وتفتح فيه بُعدًا آخر.
هنا يتّصل سؤال الوجود بعلاقة الإنسان بالمكان. وتروي صور ريم الفيصل آل سعود سِيَر أمكنة ينعكس فيها تفاعل الروح الإنسانية مع وجودها المادي.
جمال الفراغ في أعمال ريم الفيصل آل سعود
الفراغ فقدٌ أزلي لا تحدّه حدود. وفي أحوال بعينها، ينأى الإنسان بذهنه عن الوجود المادي. وتُجسّد صورة ريم الفيصل آل سعود لقارب في بحر موحش، في لحظة صفاء وسكينة تامّين، ذلك الاسترخاء الذهني أو النفسي الذي نضع فيه أعباء الحياة جانبًا. يتجلّى هذا في تجانس الأفق والسماء، وقد أصبحا منظورًا واحدًا يحيط بالقارب ويمنح راكبه خلوةً تأمّلية يستعيد فيها مباهج الحياة. تصل ريم الفيصل آل سعود هنا عناصر الخلق، السماء والماء والإنسان، بسرّ الحياة: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (سورة الأنبياء، الآية 30).

وفي مشهد آخر يصل الحياة بالماء، تصوّر ريم الفيصل آل سعود جملًا يمضي وحيدًا على الشاطئ في كامل جلاله؛ بعيدًا عن الموطن الذي ألفناه لهذا الكائن الملقّب بسفينة الصحراء. وتمنحه موضعًا في أسفل التكوين، تاركةً للسماء والماء امتدادًا واسعًا يدلّ على تجلّي الله سبحانه وتعالى في وجوه الحياة كلّها، أيًا كان موضوعها، ويشير إلى عظمة الخالق القدير.

وفي صورة أخرى، يتضاءل الكائن الحي أمام عظمة السماء والأرض والبحر. فحين لا يشغل راكبو الجمال إلا حيّزًا صغيرًا من الإطار، ينكشف جمال السماء وصفاؤها. ونكاد ونحن نتأمّل المشهد نسمع الطبيعة تقول إن الكائنات الحية تعبر سريعًا في رحلة الحياة، وإن أمواج البحر قادرة على محو ما يخلّفه البشر، ما لم يكن وجودهم حافلًا بالإبداع والتجلّي. وتدعونا هذه الرؤية الرفيعة، بما تحمل من مبادئ الحياة، إلى الوقوف أمام صور ريم الفيصل آل سعود وتأمّل زواياها ومنظوراتها جميعًا، في ما يتصل بالإنسان أو بالحياة على اتساعها، واستقبال جمال الطبيعة.
وفي صورة من المغرب لشخصين على دراجتَيهما، يمضي كل منهما في اتجاه، نرى الرجل على اليسار مستندًا إلى جدار يتأمّل الأمواج، كأنه يغسل عن نفسه أعباء نهار مرهق، وقد جمع أدوات عمله وملابسه في السلّة. أما القادم من الجهة المقابلة فتغمره مشاعر الأول. تبدو اللقطة مأخوذة عند الغسق، حين يرسم الضوء ظلًا جانبيًا كاملًا للشخص على اليسار، فيضيف إلى المشهد بُعدًا جماليًا جديدًا. وتعود السماء إلى الهيمنة باتساع مساحتها. ومرة أخرى تؤكّد ريم الفيصل آل سعود الصلة بين الإنسان والسماء والأرض في كل مكان، حتى حين تتعاكس مسارات البشر.
البورتريه
تجسيد الوجوه في البورتريه وجه آخر لفن التصوير، تُرسم فيه سمات الشخص بتوزيع مبتكر للظل والضوء. وهو أيضًا قراءة تقدّمها المصوّرة، تكشف بها التعبير الإنساني الكامن في نفس من يجلس أمام الكاميرا. وغالبًا ما يجري ذلك في مشهد معدّ سلفًا لاقتناص لحظة واحدة.
لكن ريم الفيصل آل سعود تنطلق من تصوّر آخر. فهي تؤثر، على تصوير شخص منفرد، التقاط جماعة متجانسة، ثم إفراد شخص فيها تكاد عدستها تجعله وحيد المشهد. وبعينها النافذة وفكرها المستنير، توثّق اللحظة التي تلتقي فيها عينه بالعدسة، في صمت ودهشة. ولا يكون واعيًا بهذا التوثيق، فتحتفظ الصورة بعفويتها، وبكثافة تشدّ المشاهد إلى بؤرتها، حتى تغيب عن انتباهه سائر التفاصيل.
في صورة امرأة إفريقية تنظر إلى الكاميرا بعفوية ونظرة ناقدة، على خلاف الأخريات، يتّضح تركيز ريم الفيصل آل سعود على صفاء العينين ودقّة حضورهما. ويمنح ضبط عمق المجال، والاختيار الموفّق للزاوية، ودقّة توقيت اللقطة، المرأةَ قيمة فنية مميّزة بين نساء يندمجن في الخلفية. فتبرز شخصيتها في توازن الأبيض والأسود، كأنها تخاطب الكاميرا: أنا هنا! وهكذا تكشف الصورة التناظر بين طبيعة استجابة الفرد وأثر العناصر المكانية.
وفي حوار فوتوغرافي آخر، تقف ريم الفيصل آل سعود وسط جماعة من الناس، وتقتنص بعدستها ابتسامة لويس فرخان (Louis Farrakhan) الحميمة المستترة. توظّف الظلال لتكشف شخصيته وتجعله محور الصورة، بينما يضيء النور الهابط من الجانب فرح وجهه. وتتآلف العتمة والضوء من جديد في ثنائيات من الأبيض والأسود، تحصرها الفنانة في مساحة دائرية وسطى، فتُجلي موضوعها بأقصى درجات الشفافية في قلب العتمة التي تحيط بالمشهد.
وفي لقطة طريفة من مناسك الحج، تحمل امرأة هدايا حريرية على رأسها. تترك لها ريم الفيصل آل سعود أن تملأ الإطار، فتعكس ثيابها البيضاء نقاء الشعور الديني وفضيلته، ويُفصح وجهها عن الفرح والسعادة. ولئن قلّت تفاصيل الصورة، فإن عمقها الفكري يثير التأمّل، ويشهد على قدرة الفنانة على التحرّك بسرعة واقتناص اللحظة بعفوية. وهذه سمة الفنانة الفوتوغرافية التي تتابع ما يدور حولها من شؤون الإنسان والحياة، لتلتقط تفاصيله في زمانها ومكانها؛ فتظل وثيقةً لواقع اجتماعي ديني ودنيوي، وسجلًا للأحداث تعود إليه الأجيال المقبلة لفهم عصرنا.
خاتمة
تكشف القراءة المتأنّية لأعمال ريم الفيصل آل سعود تنوّع موضوعاتها. ففي معظم صورها تسعى إلى التقاط الشعور الإنساني، إلى جانب ما في عمارة الثقافة العربية والإسلامية من إرث تاريخي وجمال فني.
تمتلك ريم الفيصل آل سعود ثقافة بصرية راسخة، صقلتها بشجاعة امرأة تعيش في مجتمع محافظ ومنغلق، تسوده سلطة الرجال. وقد نفذت إلى هذا المجتمع بفكرها المدرّب وحسّها تجاهه. ونجحت في أن تجعل العدسة وسيلةً للتعبير عن ذكريات الحياة اليومية التي سكنت مخيّلتها منذ الطفولة وتسجيلها. وها هي توثّقها في مرحلة لاحقة من العمر، في صور تخرج من صميم حياة الناس، وتقدّمها للمجتمعات المحلية والعربية والغربية على السواء، سجلًا لصراع الحياة في العالم.
لم تدخل ريم الفيصل آل سعود عالم التصوير الملوّن. فما زالت تبحث عن العتمة داخل إطار الصورة، لتضيئها بعد ذلك بعدستها. وتختار الزوايا والمنظورات التي تكشف موضوعاتها بالأبيض والأسود، وتضعها في صدارة المشهد البصري. ومن هنا تستحوذ على وجدان المشاهد وتدعوه إلى مساءلة الصورة: واقعًا وفنًا وفلسفة.
يتيح كون ريم الفيصل آل سعود امرأةً أن تبلغ الدوائر الخاصة في الحياة اليومية للمرأة العربية، وأن تكشف عادات وتقاليد كثيرة تجري بعيدًا عن أعين الرجال. ويقترن توثيقها المكثّف لحياة النساء وأمكنتهن برؤية فنية وعفوية؛ فتلتقط العتمة بين الظل والضوء، وتمنحنا صورًا تنطق بلغة جمالية وموضوعية.

منحتها رحلاتها إلى عواصم غربية مختلفة حرية واسعة لتفحّص عناصر الحياة في مجتمعات متعدّدة. وتكوّن لها من ذلك رصيد معرفي كبير يقابل تجربتها في المملكة العربية السعودية، ويحثّها على إبراز جوانب عالمها الإنسانية التي لا يعرفها الغرب، بسبب انغلاق المجتمع السعودي. ويتجلّى هذا، على نحو خاص، في مناسك الحج والعمرة التي توثّقها بصريًا وسط المحبة والسلام والخشوع. وقد نجحت ريم الفيصل آل سعود في تقديم صورة إيجابية لمجتمع يلتزم تعاليم دينه. وخلال أسفارها تحاول أن تُرينا أثر تلك التجارب في عدستها وعينها النافذة، وأن تقارن بين سلوك الغربيين والشرقيين في شوارع الأماكن المقدّسة وأزقّتها. كما تلتقط ملامح العمران والعمارة، قديمها وحديثها، وتصلها بالناس داخلها وحولها، لتقدّم توثيقًا مؤثّرًا لواقع الحياة في هذه المدن.
وتسعى ريم الفيصل آل سعود أيضًا إلى تقديم صور يغلب عليها أحيانًا الطابع المسرحي، بل الاستعراضي، بتكرار اللقطات التوثيقية من زاوية واحدة تضبطها حركة المسرح وإضاءته. فتعود إلى اللقطة مرارًا بالروحانية ذاتها، ولا يتبدّل سوى ما يجري على الخشبة. وتنجح في بعض هذه الصور، لكن المشهد يتكرّر في أخرى، فيضعف أثره البصري ويضيق إطاره. وهو مسلك يجدر بالفنانة أن تتجنّبه، لأنه يحدّ من قدراتها الفوتوغرافية.
كأن ريم الفيصل آل سعود لا تفارق كاميرتها أينما ذهبت؛ توثّق كل ما يمرّ أمام عينيها، فتقدّم وثائق للزمن وللحقيقة الفوتوغرافية. وتقصد الإنسان أولًا، ثم الأمكنة وما يحيط بها. غير أنها تلتقط أحيانًا الصورة لمجرّد التقاطها، فتضيع بين الفكرة والغاية. ويظل لها، في ذلك، القول الفصل في اختيار ما تريد كشفه في صورها، وفق فلسفتها في الحياة؛ لتمضي في مهمتها، وتقدّم لنا رؤيتها ضمن مفهوم ثقافي.