انتقل إلى المحتوى الرئيسي

ريم الفيصل آل سعود

لاتيسيا غيومان (Laetitia Guillemin)

«لا يمنحنا الضوء القدرة على الرؤية فحسب، بل يتيح لنا أن نفكّر أيضًا».
هنري أليكان، «الأضواء والظلال» (Des lumières et des ombres)1

في صور ريم الفيصل آل سعود تتردّد أصداء الأبيض والأسود، والظل والضوء، والعتمة والسطوع. صوت مكتوم، وهمس جهير؛ ففي كل صورة تروي أنصاف الأضواء حكاية، وتحمل أصوات الصمت الداخلي. يطرّز خيط من النور قبّة آيا صوفيا في إسطنبول بتركيا. وتمتد الزخارف العربية، الملتقطة من زاوية سفلية عمودية، من الكتابة التي تتوسّط القبّة، كأنها قافية بصرية. ومن بين طيّات الظل، يجرفنا بيت من الضوء إلى عالم فريد. تتآلف لمسات النور والزجاج الملوّن والفوانيس، وتلتفّ كالأفعى، مردّدة شعرية ذلك البيت. وتقدّم هذه الصورة مدخلًا بليغًا إلى ما تقوله ريم الفيصل آل سعود عن ممارستها الفوتوغرافية: «مصدر إلهامي الأكبر هو، بلا شك، الشعر العربي وما يزخر به من صور غنية. يشدّني التصوير لأنه قادر على اختزال أفكار فلسفية ووجودية معقّدة في صورة واحدة أو سلسلة صور. التصوير شكل حديث من الشعر». وتتجلّى هذه الشعرية البصرية في صور كثيرة، تستمدّ سرّها من الظلال. ففي لقطة واسعة، تشقّ خطوط سوداء رفيعة سطح الصورة. ومن أعلى البازيليكا إلى الحواف المنحنية قليلًا للنوافذ الملوّنة، تهبط الخطوط العمودية كمطر غزير، أو كاستعارة معكوسة لأشعة الشمس. وهنا أيضًا تفتح الصورة دربًا بين الأجواء الخافتة لمكان العبادة والرحلة إلى الداخل.

أن نصنع صورة بالكاميرا هو أن نلتقي العالم لقاءً فريدًا. والعين خيط يصل الخارج بالداخل. وتترجم الكاميرا هذه الخطوة على النحو الذي يصفه ميرلو بونتي في مقالته «العين والعقل»: «تنجز العين العمل المدهش المتمثّل في فتح الروح على ما ليس روحًا؛ عالم الأشياء البهيج وإلهه، الشمس. … وبفضل [الرؤية] نلمس الشمس والنجوم، ونكون في كل مكان في آن واحد، بل إن قدرتنا على تخيّل أنفسنا في مكان آخر … تستمدّ عونها من الرؤية».2 تعبر الصورة حيّز الكاميرا المغلق، ثم تنعكس في مرآة العالم الداخلي. وتترجم صور ريم الفيصل آل سعود هذا البُعد الخفي وهذه القدرة على التخيّل. تأمّل كيف يلتقي الضوء بالظل، وكيف يتشكّل الفضاء الفوتوغرافي؛ ففي ذلك تتجلّى سمات رؤيتها البصرية. ويترك التصوير بابًا مفتوحًا للخيال، ما دامت الفنانة لا تشاركنا إلا جزءًا من الواقع، هو واقعها الخاص. وهكذا تمنح الناظر فسحة يرتحل فيها عبر الصورة، ليجعل منها صورته المنشودة. ولعل التصوير يكون، على نحو ما، صورةً لنفوسنا. من هنا تفسح الفنانة الطريق لأحلام اليقظة، وتتيح للمشاهد أن يتماهى معها وأن يروي حكايته في صورها. واستعارةً لعنوان بول كلوديل الجميل،3 يمكن القول إن عين ريم الفيصل آل سعود تُصغي. ففي تواضع، تلمح لحظات سرّية ثمينة وتلتقطها وتترجمها، من دون أن تمسّ صفاء لحظة الاستغراق التي تسجّلها. وتنجح صور الصلاة، سواء التُقطت في إسطنبول بتركيا أو في الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، في إيقاف الزمن على الفور، لتدعنا نعبر إلى ما وراء الزمن. يتسلّل النور عبر الزجاج الملوّن في المسجد الأزرق، ويحيط برفق برجال يصلّون، داعيًا إلى التأمّل. «إن التعاقب بين الضوء والعتمة يولّد مشاعر ترتبط بقوة التباين والكثافة ومساحات الظل قياسًا إلى المساحات المضاءة. تتيح البقع الداكنة للعين أن تستريح، فيما تستأثر المضيئة بانتباهها. وهذه الموسيقى البصرية تُشكّل الفضاء. … إنها تُبدع العاطفة».4

كأن الموسيقية التي يصفها هنري أليكان تتجسّد في هذه الصورة؛ فالضوء وسيط يتحاور بصمت مع رجال ينحنون أمام الجلال الإلهي. ويحجبهم الظل عن العالم المحسوس، محتفظًا في أعماقه بسرّ إيمانهم. وعلى النحو نفسه، تبدو امرأة يلامسها ضوء نافذة خافت مستغرقة في صلاة حميمة. وفي هذه الصورة تُجلي ريم الفيصل آل سعود قوة التأمّل الصامتة. ويكمن جمال الصور كله في ذلك التبادل الرهيف بين الضوء والعتمة. تتداخل درجاتهما، فتترجم سيولة الضوء وشفافية الظل صوت التأمّل الذي يعجز عنه القول. وثمة سحر روحي يسري في أماكن العبادة هذه.critics28

تقول ريم الفيصل آل سعود في مقابلة: «للتصوير بالأبيض والأسود بُعد ميتافيزيقي؛ إنه يكشف لك الجانب الميتافيزيقي من الفن. قد تستغرق الألوان الناس فينسون الصورة نفسها، أما الصورة بالأبيض والأسود فتُلزمهم بأن يركّزوا عليها».5 ويظهر هذا البُعد الميتافيزيقي أيضًا في قدرة الأبيض والأسود على تجاوز الزمن. فغياب اللون يضع المشاهد على مسافة من الصورة، وعمق السواد يُنطق أصداء الروح المستعصية على القول. ولم يكن اللون ليعبّر عن تلك الحركة الحميمة المستترة. والحقيقة أن صور الصلاة هذه تعبّر عن مشاعر ريم الفيصل آل سعود: «العمل المدهش المتمثّل في فتح الروح»،6 وعن الحياة التي تجري داخل الصور. هنا تُلتقط العاطفة نفسها، كما في صورة الرجل الذي نراه من الخلف. حركته الرشيقة، وثنيات قميصه، والظلال الرهيفة، وانحناءات التجويف؛ كلها تردّد صدى وحدته وتقواه. وفي المقابل، يأسرنا صفاء صور الحج، حيث يكتسي الرجال والنساء جميعًا بالأبيض، فيتجلّى إشراق الإيمان. العتمة للتأمّل، والسطوع للرحلة إلى الأرض المقدّسة. ويظل الاحترام، في كل مرة، جوهر الصورة.

critics29تستمدّ ريم الفيصل آل سعود إلهامها من الطبيعة، وممّا تضمره الروح بين السماء والأرض. ثم تعيد في صورها تشكيل عالم يخصّها وتستطيع أن تشاركنا إياه. ويحضر هذا البُعد الانطباعي في مناظرها الطبيعية أيضًا. فمشاهد الفجيرة تقابل عالم الصلاة المنغلق بصورة معكوسة: هنا ينفتح الفضاء. وتقوم بعض الصور على بناء بسيط وحاسم. تنخفض خطوط الأفق، وتستدعي السماء المهيمنة الحضور الإلهي. وكما في صور أماكن العبادة، تطلّ أحيانًا لمسة من نور؛ شمس أو قمر أو مجرد مصباح شارع يلوح في هدوء. ويغدو السواد ألين وأشد رهافة. ويرتفع المسجد في منطقة رأس الخيمة مهيبًا في قلب الطبيعة، كصندوق جواهر بين السماء والأرض (انظر ص. 24). ويذكّر لطف هذه الصورة بالدرجات الانطباعية في مناظر غوستاف لو غراي (Gustave Le Gray).

تستدعي فكرة المنظر الطبيعي تصوّرات فلسفية عن موقع الإنسان في العالم، وعن المحدود في مواجهة اللامتناهي. والأرض التي تمتدّ أمام أعيننا تزيدنا وعيًا بأنفسنا. وحين نتأمّل منظرًا طبيعيًا، يسكن الزمن ويفسح مكانه للتأمّل. يرتسم الفضاء المصوَّر في داخلنا، فلا يكشف روائع الطبيعة وحدها، بل أرواحنا الهائمة أيضًا. «يسبق الحلمُ التأمّلَ. فكل منظر طبيعي، قبل أن يصير مشهدًا ندركه بوعي، هو تجربة حلمية. ولا ننظر بشغف جمالي إلا إلى مشاهد سبق أن رأيناها في الحلم. … لكن المنظر الحلمي ليس إطارًا نملؤه بالانطباعات، بل مادة تتخلّل كل شيء».7 وفي نظر غاستون باشلار، توقظ حلمية المنظر الطبيعي مادته؛ وفي هذه المادية تكمن الصورة التي نصوغها عنه.

بدرجات الرمادي ترسم ريم الفيصل آل سعود تخوم منظر حالم. هذه الظلال الرهيفة، التي لا تبلغ السواد التام ولا البياض الخالص، تمنح المشهد صفة تشكيلية تكاد تدنيه من الرسم. وفي هذه المسافة الشعرية البينية، يوقظ تأمّل المنظر أحاسيس مركّبة، وطيف الإدراكات الذي نختزنه في دواخلنا. سكينة المكان المهدّئة، وخشونة الجبال الحادّة، وتزاحم النخيل الفوّار، ورائحة الرمل الخفيفة، وخفّة السحب؛ كلها تذكّرنا بأننا أحياء.

critics30

منذ بداياته، كان التصوير فنّ الضوء بامتياز، يبني عالمًا بصريًا يفصح عن نفسه بين قطبين: الأبيض والأسود. «في نظري، التصوير بالأبيض والأسود أرقى مراتب التصوير؛ إنه يمنحك عمقًا ورمزية لا تجدهما [في الصور الملوّنة]. … ووراءه فلسفة أعمق: فالحياة نفسها درجات من الرمادي».8 وفي صور ريم الفيصل آل سعود، تترجم خصائص الأبيض والأسود هذه علاقتنا بالعالم. وبين الغسق والفجر، تفتح عين المصوّرة أمامنا أفقًا للتفكير.

(نقلته عن الفرنسية أوريلي لاكوشي، Aurélie Lacouchie)

critics31


  1. هنري أليكان (Henri Alekan)، Des lumières et des ombres (édition F, 1984), 13: “La lumière donne à voir, mais plus encore, elle donne à”
  2. موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty)، «العين والعقل» (Eye and Mind)، ترجمة كارلتون داليري، مراجعة مايكل ب. سميث، ضمن The Merleau-Ponty Aesthetics Reader، تحرير غالين أ. جونسون (Northwestern University Press، 1993)، 146. الأصل الفرنسي: موريس ميرلو بونتي، L’oeil et l’esprit, 1964, Folio essais (Gallimard, 1994), 83: “L’oeil accomplit le prodige d’ouvrir à l’âme ce qui n’est pas âme, le bienheureux domaine des choses, et leur dieu, le soleil. [Par la vision] nous touchons le soleil, les étoiles, nous sommes en même temps partout, aussi près des lointains que des choses proches, et que même notre pouvoir de nous imaginer ailleurs.”
  3. بول كلوديل (Paul Claudel)، The Eye Listens، ترجمة إليز بيل (Philosophical Library، 1950). الأصل الفرنسي: L’oeil écoute (Gallimard, 1946).
  4. أليكان، Des lumières, 268: “Ces passages de la pénombre à la lumière, ces alternances de clarté et d’obscurité engendrent des sentiments liés à l’importance des contrastes, à la densité et à la surface des zones d’ombres par rapport aux zones claires. Les sombres ménagent le repos visuel, les claires captent l’attention. Cette musique visuelle module l’espace. … Elle est créatrice d’é”
  5. سراج وهاب، «الفن ليس ترفًا، تقول الأميرة ريم» (Art Is Not a Luxury, Says Princess Reem)، Arab News (3 أبريل 2006).
  6. ميرلو بونتي، «العين والعقل» (Eye and Mind).
  7. غاستون باشلار (Gaston Bachelard)، Water and Dreams، ترجمة إديث فاريل (Dallas Institute of Humanities & Culture، 1994)، 4. الأصل الفرنسي: غاستون باشلار، L’eau et les rêves, 1942 (Le Livre de Poche, 1994), 11: “On rêve avant de contempler. Avant d’être un spectacle tout paysage est On ne regarde avec une passion esthétique que les paysages qu’on a d’abord vu en rêve. … Mais le paysage onirique, n’est pas un cadre qui se remplit d’impressions, c’est une matière qui foisonne … emprunte encore à la vision.”
  8. جمانة التميمي، «الأميرة السعودية ريم الفيصل تتخذ التصوير مهنة» (Saudi Princess Reem Al Faisal Makes Photography Her Career)، Gulf News (1 أبريل 2013).